عبد الملك الجويني

108

نهاية المطلب في دراية المذهب

قال معظمهم : هذا قول مخرج . وقال قائلون : هو مأخوذ من نص الشافعي في أن المفوِّضة إذا ماتت ، أو مات زوجها قبل المسيس ، فلها المهر كاملاً ، هذا منصوص . وهو دالّ على أنها استحقت بأصل العقد المهر ؛ فإنه لا يتقرر بالموت مهر ما لم يثبت بالنكاح . توجيه القولين في الأصل : من قال : لا يثبت المهر بالعقد ، احتج بأن المهر حقها ، وحق المولى من أمته ، فإذا وقع الرضا بإسقاطه لم يثبت ، وآية ذلك أنه لا يتشطر بالطلاق قبل المسيس . ومن قال : إنها تستحق بالعقد ، احتج بثبوت المهر حالة المسيس ، مع العلم بأن تصرف المالك على الوجه المستباح في ملكه لا يلزمه عوض ملكه ، فإذا لزم ، دلّ على أن اللزوم كان بالعقد ، هذا وضع القولين تأصيلاً وتوجيهاً . 8465 - فإن حكمنا بأنها لا تستحق بالعقد شيئاً ، فوراء ذلك تخريج القاضي في المسيس كما قدمته ، وليس هو من المذهب ، وإذا أنكرناه بشيء من هذا المنتهى ، فإنه يتحقق هذا القول ، فنبديه في معرض سؤال وجواب عنه . 8466 - فإن قيل : ما وجه إيجاب المهر حالة الوطء ، مع عروّ العقد عن المهر ؟ قلنا : الجواب عن ذلك يستدعي تقديم أصلٍ في المذهب - هو مقصود في نفسه - وبه يبين غرضُنا في المنتهى الذي انتهينا إليه ، وذلك أن المفوضة إذا وطئها الزوج ، ووقع الحكم بوجوب المهر ، فقد اختلف أئمتنا في أن الاعتبار في مهر المثل بحالة الوطء أم بحالة العقد ؟ وفيه وجهان مشهوران ، ينبني عليهما أنا إذا اعتبرنا حالة المسيس فكأنا افتتحنا إيجاب المهر بالمسيس ، نخرّجه على أنا وإن احتملنا إسقاط المهر حالة العقد ، فلا نحتمل إسقاطه في مقابلة المسيس . وفي تقرير ذلك إشكال بيّن ؛ فإن المهر ليس ركناً في النكاح ، وإنما يتميز النكاح عن السفاح بصحته وإفضائه إلى استحقاق المنفعة على موجب الشرع ، وذلك لا يستدعي عوضاً ، ولذلك لم يبعد في الشرع نكاح يصح من غير مهر ، كتزويج السيد أمته من عبده .